الشيخ محمد رشيد رضا

232

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( الأمر الثاني ) إن النبي المقدم إذا أخبر عن النبي المتأخر لا يشترط في اخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية ، في السنة الفلانية ، في البلد الفلاني ، وتكون صفته كيت وكيت ، بل يكون هذا الاخبار في غالب الأوقات مجملا عند العوام ، وأما عند الخواص فقد يصير جليا بواسطة القرائن ، وقد يبقى خفيا عليهم أيضا لا يعرفون مصداقه الا بعد ادعاء النبي اللاحق ان النبي المتقدم أخبر عني وظهور مصداق ادعائه بالمعجزات ، وعلامات النبوة ، وبعد الادعاء ، وظهور صدقه يصير جليا عندهم بلا ريب ، ولذلك يعاتبون كما عاتب المسيح عليه السّلام علماء اليهود بقوله ( 52 ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم ) كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل لوقا وعلى مذاق المسيحيين قد يبقى خفيا على الأنبياء فضلا عن العلماء ، بل قد يبقى خفيا على النبي المخبر عنه على زعمهم في الباب الأول من إنجيل يوحنا هكذا 19 ( وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاوبين ليسألوه من أنت ؟ ) 20 ( فاعترف ولم ينكر ، وأقر إني لست أنا المسيح ) 21 ( فسألوه إذا ماذا ؟ أنت إيليا ؟ فقال : أنا لست إيليا ، فسألوه أنت النبي ؟ فأجاب : لا ) 22 ( فقالوا له . من أنت لنعطي جوابا للذين أرسلونا ؟ ماذا تقول عن نفسك ؟ ) 23 ( قال : أنا صوت صارخ في البرية قوموا طريق الرب ، كما قال أشعيا النبي ) 24 ( وكان المرسلون من الفريسيين ) 25 ( فسألوه وقالوا له : فما بالك تعمد ان كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي ؟ ) والألف واللام في لفظ النبي الواقع في الآية 21 و 25 للعهد ، والمراد النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى عليه السّلام في الباب الثامن عشر من سفر الاستثناء « 1 » على ما صرح به العلماء المسيحية ، فالكهنة واللاويون كانوا من علماء اليهود وواقفين على كتبهم ، وعرفوا أيضا ان يحيى عليه السّلام نبي ، لكنهم شكوا في أنه المسيح

--> ( 1 ) هو سفر تثنية الاشتراع وهو الخامس والأخير من أسفار التوراة ويعبر عنه صاحب الحق بسفر الاستثناء اخذا من بعض التراجم